الشوكاني

46

فتح القدير

المتخاصمين للآخر . والمعنى : أنه ينبغي للمؤمنين أن يكونوا هكذا بحيث إذا سمعوا الدعاء المذكور قابلوه بالطاعة والإذعان . قال مقاتل وغيره : يقولون سمعنا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأطعنا أمره ، وإن كان ذلك فيما يكرهونه ويضرهم ، ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله ( وأولئك ) أي المؤمنون الذين قالوا هذا القول ( هم المفلحون ) أي الفائزون بخير الدنيا والآخرة ، ثم أردف الثناء عليهم بثناء آخر فقال ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ) وهذه الجملة مقررة لما قبلها من حسن حال المؤمنين وترغيب من عداهم إلى الدخول في عدادهم والمتابعة في طاعة الله ورسوله والخشية من الله عز وجل والتقوى له . قرأ حفص " ويتقه " بإسكان القاف على نية الجزم . وقرأ الباقون بكسرها ، لأن جزم هذا الفعل بحذف آخره ، وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو بكر واختلس الكسرة يعقوب وقالون عن نافع والمثنى عن أبي عمرو وحفص وأشبع كسرة الهاء الباقون . قال ابن الأنباري : وقراءة حفص هي على لغة من قال : لم أر زيدا ، ولم أشتر طعاما يسقطون الياء للجزم ثم يسكنون الحرف الذي قبلها ، ومنه قول الشاعر : * قالت سليمى اشتر لنا دقيقا * وقول الاخر : عجبت لمولود وليس له أب * وذي ولد لم يلده أبوان وأصله يلد بكسر اللام وسكون الدال للجزم ، فلما سكن اللام التقى ساكنان ، فلو حرك الأول لرجع إلى ما وقع الفرار منه ، فحرك ثانيهما وهو الدال . ويمكن أن يقال إنه حرك الأول على أصل التقاء الساكنين وبقى السكون على الدال لبيان ما عليه أهل هذه اللغة ولا يضر الرجوع إلى ما وقع الفرار منه ، فهذه الحركة غير تلك الحركة والإشارة بقوله : فأولئك هم الفائزون إلى الموصوفين بما ذكر من الطاعة والخشية والتقوى أي هم الفائزون بالنعيم الدنيوي والأخروي لا من عداهم . ثم حكى سبحانه عن المنافقين أنهم لما كرهوا حكمه أقسموا بأنه لو أمرهم بالخروج إلى الغزو لخرجوا فقال ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن ) أي لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن ، وجهد أيمانهم منتصب على أنه مصدر مؤكد للفعل المحذوف الناصب له : أي أقسموا بالله يجهدون أيمانهم جهدا . ومعنى جهد أيمانهم : طاقة ما قدروا أن يحلفوا ، مأخوذ من قولهم جهد نفسه : إذا بلغ طاقتها وأقصى وسعها . وقيل هو منتصب على الحال والتقدير : مجتهدين في أيمانهم ، كقولهم افعل ذلك جهدك وطاقتك ، وقد خلط الزمخشري الوجهين فجعلهما واحدا . وجواب القسم قوله " ليخرجن " ولما كانت مقالتهم هذه كاذبة وأيمانهم فاجرة رد الله عليهم ، فقال ( قل لا تقسموا ) أي رد عليهم زاجرا لهم ، وقل لهم لا تقسموا : أي لا تحلفوا على ما تزعمونه من الطاعة والخروج إلى الجهاد إن أمرتم به ، وهاهنا تم الكلام . ثم ابتدأ فقال ( طاعة معروفة ) وارتفاع طاعة على أنها خبر مبتدأ محذوف : أي طاعتهم طاعة معروفة بأنها طاعة نفاقية لم تكن عن اعتقاد ويجوز أن تكون طاعة مبتدأ ، لأنها قد خصصت بالصفة ، ويكون الخبر مقدرا : أي طاعة معروفة أولى بكم من أيمانكم ، ويجوز أن ترتفع بفعل محذوف : أي لتكن منكم طاعة أو لتوجد ، وفي هذا ضعف لأن الفعل لا يحذف إلا إذا تقدم ما يشعر به . وقرأ زيد بن علي والترمذي طاعة بالنصب على المصدر لفعل محذوف : أي أطيعوا طاعة ( ان الله خبير بما تعملون ) من الأعمال وما تضمرونه من المخالفة لما تنطق به ألسنتكم ، وهذه الجملة تعليل لما قبلها من كون طاعتهم طاعة نفاق . ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمرهم بطاعة الله ورسوله فقال ( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) طاعة ظاهرة وباطنة بخلوص اعتقاد وصحة نية ، وهذا التكرير منه تعالى لتأكيد وجوب الطاعة عليهم ، فإن قوله ( قل لا تقسموا طاعة معروفة ) في حكم الأمر بالطاعة ، وقيل إنهما مختلفان ، فالأول نهي بطريق الرد والتوبيخ ، والثاني أمر بطريق التكليف لهم والإيجاب عليهم ( فإن تولوا )